السيد عبد الأعلى السبزواري
178
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
خلقه ويمنعها عمّن يشاء منهم ، وقد بنى اللّه تعالى النظام التكويني والتشريعي والاجتماعي على الملك ، وهو محبوب لدى المجتمع الإنساني تستقيم به حياتهم في النشأتين . وأما ما يترتب عليه من الآثار السيئة ، فهي ترجع إلى كيفية إعماله والاستفادة منه ، دون أصله الذي هو محبوب كما ذكرنا ، وبه يقع الامتحان والابتلاء ، قال تعالى حكاية عن سليمان : فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [ سورة النمل ، الآية : 40 ] . وإنما علّق سبحانه وتعالى الإيتاء والنزع على المشيئة ، لبيان أن العباد غير مجبورين على ذلك على نحو الحتم والقضاء المبرم ، بل لإرادة العباد وأعمالهم المدخلية فيهما ، فجميع أعمال العباد الصادرة منهم منسوبة إليهم ، كما أنها منسوبة إلى اللّه تعالى ، كلّ منهما على نحو الاقتضاء لا العلّيّة التامّة . نعم ، له عزّ وجلّ ألطاف وتوفيقات خاصة بالنسبة إلى المستفيض إن كان من أهل الصلاح والتقوى وإقامة العدل ، فيعطيه اللّه الملك لإقامة العدل والإصلاح بين العباد ، قال تعالى : الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ [ سورة الحج ، الآية : 41 ] ، وليس لغير أهل التقوى هذا التوفيق واللطف الخاص ، ولكنّه تعالى يقدّر الملك لمثل هؤلاء تنظيما للنظام والامتحان والاختبار وإتماما للحجّة ، قال تعالى : أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ [ سورة الأنعام ، الآية : 6 ] ، وقال تعالى : وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ * قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ